السويد والاستدامة
كيف جعلت السويد من التخطيط طويل الأجل مفتاحًا للتحول نحو مستقبل أكثر استدامة؟
كيف يمكن تحقيق النمو الاقتصادي مع تقليل الانبعاثات الكربونية؟
يعتمد النموذج السويدي على مواءمة الأنشطة الاقتصادية مع مبادئ الاستدامة في إطار متكامل. ومن خلال تعاونها الوثيق مع جيرانها في منطقة الشمال الأوروبي، تؤكد السويد أن الاقتصاد الأخضر يشكل ركيزة أساسية للانتقال نحو مجتمع أكثر استدامة.
وبفضل ثقافة التخطيط بعيد المدى ودراسة السيناريوهات المستقبلية، تمكنت السويد من تحقيق نمو اقتصادي قوي بالتوازي مع خفض انبعاثات الغازات الدفيئة. وتشير البيانات الرسمية لعام 2023، الصادرة في عام 2026، إلى أن نحو 80 بالمئة من إمدادات الطاقة في البلاد تأتي من مصادر خالية من الوقود الأحفوري، مع تزايد مساهمة الطاقة النووية في مزيج الطاقة.
ضمن أفضل عشر دول في الأداء البيئي
على مدى أكثر من عقد، حافظت السويد على موقعها ضمن المراكز العشرة الأولى في مؤشر الأداء البيئي الصادر عن جامعتي كولومبيا وييل الأمريكيتين. ويرجع ذلك إلى سجلها المتميز في مجالات جودة الهواء وإدارة النفايات وانخفاض مستويات الانبعاثات. إضافة إلى نجاحها في معالجة قضايا بيئية متعددة، بدءًا من الأمطار الحمضية، وصولًا إلى إعادة التدوير. وتؤكد هذه الإنجازات أن التنمية الاقتصادية والاستدامة البيئية يمكن أن تسيرا جنبًا إلى جنب.
أهداف طموحة للمستقبل
وضعت الحكومة السويدية أهدافًا طموحة لتعزيز الاستدامة خلال العقود المقبلة، من بينها:
- إنتاج كهرباء خالية من الوقود الأحفوري بحلول عام 2040.
- الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2045.
كما تتوقع وكالة الطاقة السويدية أن تصبح نسبة الكهرباء الخالية من الوقود الأحفوري في البلاد بنسبة 99% بحلول عام 2028.
وتستعرض هيئة الإحصاءات السويدية بالتفصيل انبعاثات ملوّثات الجو في السويد على امتداد الزمن.
كيف أصبحت السويد من الدول الرائدة في مجال حماية البيئة؟
تشتهر السويد بمساحاتها الطبيعية الواسعة وأراضيها البكر وأرخبيلها الممتد من البر الأوروبي إلى المناطق القطبية الشمالية. ولذلك، فإن مواجهة التحديات البيئية بالنسبة لها لا تقتصر على حماية الطبيعة فحسب، بل تشمل أيضًا ضمان بيئة صحية ومستدامة للأجيال القادمة.
في عام 1967، أنشأت السويد وكالة حماية البيئة، لتكون الأولى من نوعها في العالم. وبعد ذلك بعامين فقط، أصبحت من أوائل الدول التي أقرت قانونًا لحماية البيئة.
وفي عام 1972، استضافت السويد أول مؤتمر للأمم المتحدة حول البيئة، ثم واصلت ريادتها البيئية بإقرار ضريبة على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عام 1991، لتكون من أوائل الدول التي طبقت هذا النوع من السياسات.
كهربة قطاع النقل
يتزايد عدد السيارات الكهربائية على الطرق السويدية، كما تعمل المدن السويدية على توسيع شبكات النقل العام الكهربائي، في إطار جهود واسعة للإسراع في تبني حلول النقل المستدام والخالٍ من الانبعاثات.
وتُعد «اليكتريسيتي»، ومقرها مدينة غوتنبرغ، منصةً للتعاون والشراكة بين مختلف الجهات، وقد استُخدمت منذ عام 2015 كبيئة اختبار للحافلات الكهربائية ووسائل النقل الحديثة الأخرى.
وفي هذه المنصة، تتعاون المؤسسات الصناعية والهيئات البحثية والمجتمع لتطوير حلول مبتكرة للنقل. ومن بين هذه الحلول تقنية التسييج الجغرافي (Geofencing)، التي جرى اختبارها وتطويرها وتقييمها في بيئات مرورية حقيقية بالتعاون مع جهات محلية ودولية. وتعتمد هذه التقنية على إنشاء حدود افتراضية تتيح التحكم رقميًا بحركة المركبات داخل مناطق جغرافية محددة. فعلى سبيل المثال، يمكن خفض السرعة تلقائيًا بالقرب من المدارس لتعزيز السلامة المرورية، والحد من الانبعاثات، وتحسين انسيابية حركة المرور.
أما في العاصمة ستوكهولم، فتعمل الحافلات منذ عام 2018 باستخدام وقود متجدد، في حين تعتمد شبكة المترو والقطارات الأخرى على الكهرباء المولدة من مصادر متجددة.
نموذج مدينة «مالمو» للتنمية الحضرية
بحسب الأمم المتحدة، من المتوقع أن يعيش نحو ثلثي سكان العالم في المدن بحلول عام 2050. وتعد السويد من أسرع الدول الأوروبية نموًا من حيث التوسع الحضري.
وتقدم منطقة «سيغه بارك» (Sege Park) السكنية في مدينة «مالمو» جنوب البلاد نموذجًا مبتكرًا للتنمية الحضرية المستدامة، حيث تجمع بين الإسكان الميسر والاقتصاد التشاركي المحلي. وتقوم الفكرة على تشجيع السكان على مشاركة السلع والخدمات، بما يتيح لهم امتلاك عدد أقل من الأشياء مع الاستفادة من خيارات أوسع.
ومن أبرز معالم المنطقة مرأب متعدد الاستخدامات مصنوع من الخشب. وإلى جانب توفير مواقف للسيارات، يضم مواقف مخصصة للدراجات الهوائية، وورشة تتيح للسكان إجراء أعمال الصيانة والإصلاح لدراجاتهم، فضلاً عن خدمة مشاركة وسائل التنقل التي تمكنهم من استئجار السيارات والدراجات عند الحاجة. كما يشتمل المبنى على مجموعة من الحلول المستدامة، من بينها الألواح الشمسية، والواجهات المغطاة بالنباتات، وأنظمة إعادة تدوير مياه الأمطار، ونقاط شحن المركبات الكهربائية، إلى جانب تقنيات متقدمة لتحسين كفاءة تدفق واستهلاك الطاقة.
Lars Pehrson/SvD/TT
مركز عالمي للأبحاث البيئية
تحتضن السويد عددًا من أبرز المؤسسات البحثية المتخصصة في البيئة والاستدامة. ففي العاصمة ستوكهولم يوجد معهد ستوكهولم البيئي ومركز ستوكهولم للقدرة على التكيف التابع لجامعة ستوكهولم. كما يمتلك المعهد السويدي لأبحاث البيئة (IVL) مكاتب في مختلف أنحاء السويد وخارجها، ما يعزز مكانة البلاد كمركز عالمي للبحث البيئي.
ويؤكد البروفيسور «يوهان روكستروم»، أحد مؤسسي مركز ستوكهولم للقدرة على التكيف، أن بمقدور السويد أن تصبح نموذجًا تحتذي به البلاد الأخرى في مجال الحلول المستدامة.
ويقول روكستروم: «تمتلك السويد تأثيرًا يفوق حجمها في هذا المجال، وبالتالي تتحمل مسؤولية كبيرة. ومن خلال العلم والعمل، يمكنها أن تثبت أن الجمع بين الاستدامة ورفاه الإنسان يمثل طريقًا واقعيًا نحو النجاح والتنمية.»
محطات سويدية بارزة على صعيد البيئة
ذاع صيت السويد كبلد رائد في مجال البيئة قبل أكثر من نصف قرن. إليكم قائمة ببعض المحطات البيئية البارزة، ما أُنجز منها في الماضي وما يُزمع إنجازه في المستقبل.
1967
السويد أول دولة تؤسس وكالة للحماية البيئية واسمها وكالة حماية الطبيعة.
1972
السويد تستضيف أول مؤتمر للأمم المتحدة حول البيئة، تمخض عنه تأسيس برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وهو الهيئة العالمية الرائدة في مجال البيئة في يومنا الحالي.
1995
السويد إحدى أولى الدول التي تفرض ضريبة على انبعاثات الكربون، مما كان له دور في تخفيف الاعتماد على الوقود الأحفوري.
1998 و2002
السويد إحدى أولى الدول التي توقع وتصادق على بروتوكول كيوتو، وهي المعاهدة الدولية بشأن تغير المناخ.
2001
اتفاقية ستوكهولم، وهي مبادرة سويدية إلى حد كبير، تهدف إلى الإلغاء التدريجي لإنتاج واستخدام الملوثات العضوية الثابتة.
2017
السويد تحل في المرتبة الثالثة في المؤشر العالمي للابتكار في مجال التكنولوجيا النظيفة.
2020
السويد تحل في المرتبة الثانية في مؤشر الابتكار العالمي وتتصدر مؤشر التنافسية المستدامة العالمي.
2021
السويد تحل في المرتبة الثانية في تقرير الأمم المتحدة للتنمية المستدامة وفي مؤشر الابتكار العالمي، وتتصدر مؤشر التنافسية المستدامة العالمي.
2022
أكثر من 60% من الكهرباء في السويد تُنتج من مصادر طاقة متجددة.
2024
تصدّرت السويد مؤشر التنافسية المستدامة العالمي (GSCI).
2025
حلّت السويد في المرتبة الثانية عالمياً في مؤشر الابتكار العالمي للعام الثالث على التوالي.
2028
الهدف: أن تصبح نسبة إنتاج الكهرباء الخالية من الوقود الأحفوري في السويد 99%.
2030
الهدف: جعل قطاع النقل في السويد خالي من الوقود لأحفوري.
2045
الهدف: جعل السويد بأكملها خالية من الوقود الأحفوري، وبالتالي، محايدة مناخيًا.


