كلب روبوتي داخل منجم.
«سبوت» الكلب الروبوتي الذي طورته شركة «بوستون ديناميكس» وتستخدمه شركة التعدين السويدية LKAB في نقل قطاع التعدين في السويد إلى المستقبل. الصورة: Fredric Alm/imagebank.sweden.se

السويد بلد الابتكارات

تحتل السويد مراتب متقدمة في مؤشرات الابتكار العالمية. اكتشف معنا الأسباب!

كيف تصدّرت السويد مؤشرات الابتكار عالميًا؟

لا يقتصر الابتكار في السويد على قطاع الشركات الناشئة فحسب، بل للسويد باع طويل في مجال الابتكار .

ويعود هذا التميز إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها الإيمان العميق بقيمة التعليم والمعرفة، إلى جانب مستوى عالٍ من العدالة الاجتماعية، ما أسهم في بناء قوة عاملة عالية الكفاءة والمهارة.

كما تتمتع السويد ببيئة بحثية متقدمة ومحفزة، تتكامل فيها جهود الحكومة والشركات والجامعات والمجتمع لإنتاج أفكار مبتكرة. ويساهم نموذج العمل السويدي، القائم على تقليل المستويات الإدارية، مناخًا داعمًا للإبداع وتبادل الأفكار.

ولا يمكن تجاهل تأثير الطبيعة في هذا السياق؛ حيث تهيئ فصول الشتاء الباردة أجواءً مناسبة للبقاء في الداخل للتأمل والعمل الذهني والإبداع.

ويُشكّل ذلك كله جزءًا من منظومة تقوم على الاستقرار الاجتماعي وترتكز إلى ديمقراطية راسخة.

ستوكهولم… عاصمة الشركات المليارية

تعرف «اليونيكورن» بأنها الشركات الناشئة التي تتجاوز قيمتها مليار دولار. وتتفوق العاصمة السويدية ستوكهولم في هذا المجال، حيث تضم عددًا من هذه الشركات يفوق ما هو موجود في مدن كبرى مثل لندن ونيويورك ولوس أنجلوس، مقارنة بعدد السكان.

من أبرز الأمثلة شركات مثل «موجانج ستوديوز» و«كينغ»، المطورتين لألعاب عالمية مثل «ماينكرافت» و«كاندي كراش». كما ظهرت شركات حديثة بارزة مثل «نيكو هيلث» في مجال الصحة الرقمية، و«بولاريوم» في تخزين الطاقة، و«أينرايد» في قطاع النقل الذاتي.

ويفسَّر جانب من هذا النجاح بصِغَر حجم المدينة نسبيًا، إذ تتجاور المؤسسات الأكاديمية مع الشركات الابتكارية، الأمر الذي يعزز التعاون ويُسرّع من وتيرة الابتكار.

وفي عام 2025، صنّفت المفوضية الأوروبية ستوكهولم كأكثر مناطق أوروبا ابتكارًا.

التعليم أساس النهضة

يُعد الاستثمار الطويل في التعليم والبحث العلمي أحد أهم أسرار نجاح السويد. فمنذ عام 1842، اعتمدت البلاد التعليم الإلزامي، ما ساهم في رفع مستوى المعرفة وتحويل السويد من دولة زراعية فقيرة إلى قوة ابتكارية مزدهرة.

واليوم، يحمل نحو ثلث السكان تعليمًا عالياً، وترتفع النسبة إلى أكثر من نصف الشباب بين 25 و34 عاماً.

استثمارات قوية في البحث والتطوير

تستثمر السويد أكثر من 3% من ناتجها المحلي الإجمالي في البحث والتطوير سنويًا، وهو ما ينعكس في قدرتها على تحويل الأفكار إلى ابتكارات مسجلة. ففي عام 2024، احتلت المرتبة الثانية أوروبياً في عدد طلبات براءات الاختراع لكل مليون نسمة.

وتبرز السويد في مجالات التكنولوجيا الخضراء وعلوم الحياة، حيث تدعم الحكومة هذه القطاعات من خلال استراتيجيات وطنية ومبادرات خاصة. كما يضم قطاع تكنولوجيا المناخ نحو 500 شركة نشطة.

السلامة المرورية كنموذج عالمي

تعد مبادرة “رؤية صفر” مثالًا عالميًا في السلامة المرورية، حيث تهدف إلى القضاء على الوفيات والإصابات الخطيرة الناتجة عن حوادث الطرق.

بنية تحتية متقدمة

نظرًا لاتساع مساحة البلاد، لعبت البنية التحتية دورًا محوريًا في التنمية، من السكك الحديدية إلى الاتصالات الحديثة.

وفي تسعينيات القرن الماضي، استثمرت الحكومة في نشر الإنترنت واسع النطاق، ما أتاح للسويديين الوصول المبكر إلى التكنولوجيا، وساهم في نشوء مجتمع رقمي متقدم.

عصر الجيل الخامس

مع دخول عصر شبكات الجيل الخامس (5G)، تواصل السويد تعزيز مكانتها، خصوصاً من خلال شركة «إريكسون» الرائدة عالمياً في هذا المجال.

ويتركز نشاط تقني كبير في منطقة كيستا وستوكهولم، حيث يعمل أكثر من 100 ألف شخص في آلاف الشركات.
وفي عام 2026، اعتمدت الحكومة استراتيجية وطنية جديدة للذكاء الاصطناعي، تهدف إلى جعل السويد من بين أفضل عشر دول في العالم في هذا المجال. وتعتمد هذه الرؤية على البنية الرقمية القوية والبحث العلمي المتقدم.

الشركاء الرئيسيون

تلعب جهات عدة دورًا محوريًا في دعم الابتكار، من بينها:

فينوفا (Vinnova): تموّل الأبحاث في مجالات متعددة.
مؤسسة المعرفة (KK): تدعم تطوير الكفاءات في الجامعات.
هيئة النمو الاقتصادي والإقليمي: تشجع ريادة الأعمال وتعزز التنافسية.

تؤدي الوكالة الحكومية السويدية للابتكار، فينّوفا، دورًا محوريًا في مجال الأبحاث في السويد، حيث تشجع وتموّل الوكالة المشاريع البحثية في مجالات واسعة النطاق تشمل على سبيل المثال لا الحصر مجال الصحة والنقل والمواد الصناعية والمدن الذكية.

شريك آخر هو مؤسسة المعرفة، وتموّل هذه المؤسسة العمل البحثي وتطوير الكفاءات في الكليات والجامعات الجديدة في السويد بهدف تعزيز قدرة السويد على المنافسة.

كما تعمل الوكالة السويدية لتنمية الاقتصاد والمناطق في سبيل تعزيز التنافسية وتسهّل ريادة الأعمال في جميع أرجاء السويد.

مجتمع قائم على الثقة

رغم أن السويد تمثل فقط 0.13% من سكان العالم، فإن تأثيرها في الابتكار يفوق حجمها بكثير. وتحتل باستمرار مراكز متقدمة في المؤشرات الدولية.

يعتمد المجتمع السويدي على قيم الديمقراطية والانفتاح، حيث يُشجَّع التفكير الحر والتجربة، حتى مع احتمال الفشل. وقد أصبحت هذه القيم ميزة تنافسية حقيقية، إذ تعزز الثقة وتدعم الاستقرار.

البنية التحتية

السويد بلد ضخم يمتد على مساحات شاسعة من شماله إلى جنوبه، ولهذا كان وجود بنية تحتية تعمل بشكل جيد ضرورة حتمية لضمان سير عجلة التقدم في البلاد، إن كان ذلك على صعيد سكك القطارات وصولًا إلى قطاع الاتصالات والإنترنت ذات الحزمة العريضة. وساهمت السياسات الهادفة إلى ضمان القدرة على الاستفادة من التكنولوجيا والإنترنت في وضع السويد اليوم على خارطة أكثر بلدان العالم قدرة على الابتكار.

وفي التسعينات من القرن الماضي، طوّرت السويد شبكة حزمة عريضة وأتاحت للسكان الاستفادة بشكل مبكر من الإنترنت السريع، بالإضافة إلى تمويل برامج أتاحت للسويديين استعارة أجهزة الحاسوب، وهو ما جعل من المجتمع السويدي من أوائل من اعتمد ثقافة الحاسوب والإنترنت.

وفي عام 2016، اعتمدت الحكومة السويدية استراتيجية للحزمة العريضة تهدف إلى نشر الإنترنت عالي السرعة في جميع أنحاء السويد بحلول عام 2025.

أرض الفرص

تصنف السويد ضمن أكثر دول العالم تنافسية، بفضل كفاءة الأعمال والبنية التحتية المتطورة. كما تبحث الشركات السويدية باستمرار عن كفاءات من مختلف أنحاء العالم، إيماناً بأن التنوع هو محرك الابتكار.