صورة لراؤول فالنبرغ في العمل
راؤول فالنبرغ في عمله في بودابست. الصورة: Thomas Veres

راؤول فالنبرغ: بطل الحرب العالمية الثانية

الدبلوماسي السويدي الذي تحدّى المحرقة وأنقذ عشرات الآلاف

راؤول فالنبرغ - مقتطفات من سيرته الذاتية

تاريخ الميلاد: 4 أغسطس/آب عام 1912

مكان الميلاد: ليدينغو، ستوكهولم

المؤهلات العلمية: شهادة في الهندسة المعمارية من جامعة ميشيغان، عام 1935

تاريخ الوصول إلى بودابست: يوليو /تموز 1944

تاريخ السجن: يناير/ كانون الثاني 1945

تاريخ الوفاة المزعوم: 17 يوليو /تموز 1947

في خضم واحدة من أحلك فصول الحرب العالمية الثانية، برز اسم الدبلوماسي السويدي راؤول قالنبرغ بوصفه رمزًا للشجاعة الإنسانية. ففي عام 1944، وبينما كانت آلة الإبادة النازية تحصد أرواح اليهود في المجر، قاد فالنبرغ عملية إنقاذ استثنائية ساهمت في حماية عشرات الآلاف من اليهود من الموت، قبل أن يختفي في ظروف غامضة لا تزال تثير التساؤلات حتى اليوم.

مهمة إنقاذ في بودابست

.شهد عام 1944 ما يُعرف بالمحرقة المجرية، إحدى أكثر الجرائم دموية خلال الحرب العالمية الثانية. وفي ذلك الوقت، اتفقت السويد والولايات المتحدة على إطلاق عملية إنسانية لإنقاذ يهود العاصمة المجرية بودابست. ونُفذت المهمة تحت العلم السويدي، نظرًا لاستمرار وجود بعثة دبلوماسية سويدية في المجر.

وفي يوليو/تموز 1944، وصل راؤول فالنبرغ، البالغ من العمر 31 عامًا، إلى بودابست حاملًا جوازًا دبلوماسيًا سويديًا ودعمًا ماليًا من الحكومة الأميركية. وسرعان ما عُيّن أمينًا لبعثة السويد الدبلوماسية ورئيسًا لوحدة خاصة أُنشئت لإنقاذ اليهود.

«جوازات الحماية» سلاحه الأول

كان أول ما قام به فالنبرغ تصميم جواز حماية سويدي خاص لليهود المستهدفين بالترحيل. واستغل اهتمام البيروقراطيين الألمان والمجريين بالمظاهر والرموز الرسمية، فطبع الجوازات بألوان العلم السويدي الأزرق والأصفر، وزيّنها بشعار الدولة والأختام والتواقيع الرسمية.

ونجح في إقناع وزارة الخارجية المجرية بالموافقة على إصدار 4500 جواز حماية، إلا أنه أصدر فعليًا ما يقرب من ثلاثة أضعاف هذا العدد. ومع اقتراب نهاية الحرب وتصاعد الفوضى، لجأ إلى نسخة مبسطة تحمل توقيعه فقط، لكنها ظلت فعالة في حماية حامليها.

جواز سفر سويدي للحماية باللونين الأزرق والأصفر.
جواز سفر سويدي للحماية باللونين الأزرق والأصفر. الصورة: Karl Gabor

راؤول فالنبرغ - نبذة مختصرة

تاريخ الميلاد: 4 أغسطس/آب عام 1912

مكان الميلاد: ليدينغو، ستوكهولم

المؤهلات العلمية: شهادة في الهندسة المعمارية من جامعة ميشيغان، عام 1935

تاريخ الوصول إلى بودابست: يوليو /تموز 1944

تاريخ الاعتقال: يناير/ كانون الثاني 1945

تاريخ الوفاة وفق الرواية الروسية: 17 يوليو /تموز 1947

بيوت آمنة لإنقاذ الفارين

قبل وصول فالنبرغ، كان ممثل الصليب الأحمر السويدي «فالديمار لانغليه» قد بدأ استئجار مبانٍ ووضع لافتات تحمل أسماء مؤسسات سويدية عليها، مثل «المكتبة السويدية» و«المعهد السويدي للأبحاث»، لتُستخدم كملاجئ آمنة لليهود.

طور فالنبرغ هذه الفكرة ووسعها بشكل كبير. ولم يتردد أحيانًا في استخدام وسائل غير تقليدية، من بينها دفع الرشاوى، لتحقيق أهدافه الإنسانية. ورغم تحفظ بعض الدبلوماسيين السويديين في البداية على أساليبه، فإن نجاحه السريع أكسبه دعم البعثة بالكامل.

ومع تزايد حجم عملياته، توسع فريقه ليضم مئات العاملين، وساهمت جوازات الحماية والمنازل الآمنة التي عُرفت باسم «البيوت السويدية» في إنقاذ عشرات الآلاف من اليهود في بودابست.

اختفاء راؤول فالنبرغ

في نوفمبر/تشرين الثاني 1944، أطلق المسؤول النازي أدولف أيخمان سلسلة من «مسيرات الموت»، حيث أُجبر آلاف اليهود على السير لمسافات طويلة في ظروف قاسية باتجاه الحدود.

وخلال تلك الفترة، كان فالنبرغ يجوب الطرقات لتوزيع جوازات الحماية والطعام والأدوية على المرحّلين، في محاولة مستمرة لإنقاذ أكبر عدد ممكن منهم.

لكن مع دخول القوات السوفيتية إلى بودابست في يناير/كانون الثاني 1945، انتهت مهمته الإنسانية بشكل مفاجئ. ففي 17 يناير اعتقلته القوات السوفيتية، ومنذ ذلك اليوم اختفى أثره.

ومنذ ذلك الحين، ظل مصير راؤول فالنبرغ مجهولاً. وتؤكد روسيا أنه توفي في أحد السجون السوفيتية في 17 يوليو/تموز 1947، إلا أن العديد من شهادات الشهود تشير إلى أنه ربما بقي على قيد الحياة لفترة أطول بكثير.

راؤول فالنبرغ مع أمه مان فون دارديل.

راؤول فالنبرغ مع أمه مان فون دارديل. الصورة: Karl Gabor

راؤول فالنبرغ (على اليمين) بصحبة العاملين بالمفوضية السويدية في بودابست. الصورة: Thomas Veres

راؤول فالنبرغ مع أمه مان فون دارديل.

راؤول فالنبرغ مع أمه مان فون دارديل. الصورة: Karl Gabor

راؤول فالنبرغ (على اليمين) بصحبة العاملين بالمفوضية السويدية في بودابست. الصورة: Thomas Veres

راؤول فالنبرغ مع أمه مان فون دارديل.

راؤول فالنبرغ مع أمه مان فون دارديل. الصورة: Karl Gabor

راؤول فالنبرغ (على اليمين) بصحبة العاملين بالمفوضية السويدية في بودابست. الصورة: Thomas Veres

رحلة البحث عن راؤول فالنبرغ

لا يزال مصير راؤول فالنبرغ واحدًا من أكثر الألغاز السياسية والإنسانية غموضًا في القرن العشرين

ففي البداية، نفت السلطات السوفيتية وجوده على أراضيها. لكن في خمسينيات القرن الماضي، أدلى أسرى حرب سابقون بشهادات أكدوا فيها أنهم التقوا به داخل سجون موسكو.

وفي عام 1957، أعلنت الحكومة السوفيتية أنها عثرت على وثيقة مؤرخة في 17 يوليو/تموز 1947 تفيد بأن «السجين فالنبرغ توفي الليلة الماضية في زنزانته». غير أن السويد وعائلة فالنبرغ شككتا في الرواية، خاصة مع استمرار ظهور شهادات تشير إلى أنه ربما ظل على قيد الحياة لسنوات لاحقة.

وفي عام 1989 سلّمت موسكو لعائلته بعض متعلقاته الشخصية، بينها جواز سفره ومفكرته الخاصة، بعدما قيل إنها عُثر عليها في أرشيف جهاز الاستخبارات السوفيتي (كي جي بي).

كما شُكّلت لجنة سويدية سوفيتية مشتركة عام 1991 للتحقيق في القضية، ونُشرت نتائجها عام 2001 دون التوصل إلى إجابات حاسمة، مؤكدة أن كثيرًا من الأسئلة لا تزال بلا إجابة.

وفي عام 2016 أعلنت مصلحة الضرائب السويدية وفاة فالنبرغ رسميًا وحددت تاريخ وفاته في 31 يوليو/تموز 1952، وهو تاريخ إداري بحت تم اختياره بعد مرور أكثر من خمس سنوات على اختفائه، وليس استنادًا إلى دليل يثبت وفاته في ذلك اليوم.

الرجل المناسب في المكان المناسب

يرى كثيرون أن نجاح فالنبرغ الاستثنائي يعود إلى مزيج نادر من الجرأة والمهارة الدبلوماسية والتنظيمية.

ووصفه الدبلوماسي السويدي «بير أنغر»، الذي عمل معه في بودابست خلال الحرب، بأنه كان شخصًا لا يعرف الخوف ويتمتع بقدرات تفاوضية وتنظيمية استثنائية.

وقبل أيام من اعتقاله، حاول «أنغر» إقناع فالنبرغ بمغادرة المدينة والبحث عن الأمان، لكنه أجابه قائلاً: «لم يكن أمامي خيار آخر. لقد قبلت هذه المهمة، ولم أكن لأعود إلى ستوكهولم وأنا أعلم أنني لم أبذل كل ما في وسعي لإنقاذ أكبر عدد ممكن من اليهود».

من امتيازات النشأة إلى خلود الموقف الإنساني

وُلد راؤول فالنبرغ في 4 أغسطس/آب 1912 في بلدية «ليدينغو» بالقرب من ستوكهولم، وينتمي إلى واحدة من أكثر العائلات نفوذًا في السويد، والتي اشتهرت برجال الأعمال والمصرفيين والدبلوماسيين.

درس الهندسة المعمارية في جامعة ميشيغان الأميركية وتخرج عام 1935. وعند عودته إلى السويد عام 1935، اكتشف أن شهادته الأميركية لا تؤهله للعمل مهندسًا معمارياً في البلاد. وبين عامي 1935 و1936، عمل فالنبرغ في فرع بنك «هولندا» بمدينة حيفا، (الواقعة اليوم ضمن دولة إسرائيل). وخلال تلك الفترة، تعرّف للمرة الأولى إلى يهود فرّوا من ألمانيا النازية بقيادة أدولف هتلر، وقد تركت قصصهم ومعاناتهم أثرًا عميقًا في نفسه.

كما عمل في شركة تجارية مملوكة لرجل الأعمال اليهودي المجري «كولومان لاور»، ما أتاح له السفر بحرية في أوروبا والتعرف عن قرب إلى آليات البيروقراطية الألمانية، وهي معرفة استفاد منها لاحقًا في عمليات الإنقاذ التي قادها في بودابست.

إرث لا يزال حيًا

تحول راؤول فالنبرغ إلى رمز عالمي للشجاعة المدنية والدفاع عن حقوق الإنسان. وتحمل اسمه اليوم شوارع وساحات ومدارس ومؤسسات في دول عديدة، كما أُقيمت له عشرات النصب التذكارية حول العالم.

قلّة من السويديين حظوا بالشهرة والتقدير الدوليين اللذين نالهما راؤول والنبرغ. ففي عام 1981، أصبح ثاني شخص فقط، من بين ثمانية أشخاص حتى اليوم، يحصلون على صفة المواطن الفخري للولايات المتحدة. ومن بين الأسماء الأخرى التي نالت هذا التكريم ونستون تشرشل والأم تيريزا.

كما مُنح والنبرغ الجنسية الفخرية في كندا عام 1985، وإسرائيل عام 1986، ومدينة بودابست عام 2003، وأستراليا عام 2013، ليصبح أول شخص في تاريخها ينال هذه الصفة. وصدرت أيضاً طوابع بريدية في عدد من الدول تكريماً له ولإرثه الإنساني.

وفي القدس، تصطف على جانبي شارع «جادة الصالحين» 600 شجرة زُرعت تخليداً لذكرى أشخاص غير يهود خاطروا بحياتهم لإنقاذ اليهود من آلة القتل النازية. وتحمل إحدى هذه الأشجار اسم راؤول والنبرغ، تكريماً لدوره الاستثنائي في إنقاذ الآلاف خلال الحرب العالمية الثانية.

ويبقى إرثه، بعد أكثر من ثمانية عقود على أفعاله البطولية، شاهداً على قدرة الفرد الواحد على إحداث فرق حقيقي في مواجهة الظلم والكراهية، وعلى أن الشجاعة الإنسانية قد تكون أحياناً أقوى من أكثر الأنظمة قسوة.

جوائز تمنح تخليدًا لذكرى راؤول فالنبرغ

جائزة راؤول فالنبرغ

تُمنح «جائزة راؤول فالنبرغ» سنويًا أشخاص أو جهة في السويد تجسّد قيم راؤول غالنبرغ ومبادئه الإنسانية، وتسهم في تعزيز الوعي لدى الأطفال والشباب بأهمية مكافحة الكراهية والعنصرية، وترسيخ قيم المساواة وحقوق الإنسان. وتبلغ قيمة الجائزة 100 ألف كرونة سويدية (نحو 10 آلاف يورو)، وهي مبادرة مشتركة أطلقتها الحكومة السويدية والبرلمان المجري ومجلس أوروبا عام 2014، تكريماً لإرث فالنبرغ الإنساني وتشجيعاً للجهود الرامية إلى بناء مجتمع أكثر انفتاحًا وتسامحًا.

جائزة شجاعة الصغار

منحت جائزة الشجاعة لليافعين (Young Courage Award) الدولية للمرة الأولى عام 2021، وهي بمثابة اعتراف غير سياسي بالشجاعة الأخلاقية والإنسانية. تهدف الجائزة التي تقدم لليافعين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و 20 عامًا إلى تسليط الضوء على الإنجازات في مجتمعات المدنية .

ميدالية فالنبرغ

هي جائزة تقدم تقديرًا للجهود الإنسانية الاستثنائية وتمنحها وقف فالنبرع التابع لجامعة ميشيغان في الولايات المتحدة منذ عام 1990.

مؤسسات لها صلة بإرث راؤول والنبرغ

معهد راؤول فالنبرغ

يتخذ المعهد من مدينة لوند في جنوب السويد مقرًا له، ويعمل على تعزيز الاحترام العالمي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي من خلال الأبحاث العلمية، والتعليم الأكاديمي، ونشر المعرفة، وتطوير المؤسسات.

مؤسسة راؤول فالنبرغ الدولية

هي منظمة غير حكومية تسعى إلى تطوير برامج تعليمية وحملات توعية عامة تستند إلى قيم التضامن والشجاعة المدنية، وهما من الركائز الأخلاقية التي جسدها من خاطروا بحياتهم لإنقاذ اليهود خلال المحرقة النازية.

أكاديمية راؤول فالنبرغ

تأسست عام 1979 تحت اسم "جمعية راؤول فالنبرغ"، وكان هدفها كشف الحقيقة بشأن مصيره، والعمل من أجل إطلاق سراحه، والتعريف بجهوده الإنسانية. ومنذ عام 2001 أصبحت مؤسسة تُعنى بإلهام الأجيال الشابة لاتخاذ فالنبرغ قدوةً ومثالاً، وترسيخ الإيمان بأن شخصًا واحدًا قادر على إحداث تغيير حقيقي في العالم.

شبكة البحث عن راؤول فالنبرغ

وهي شبكة تضم باحثين مستقلين يسعون إلى معرفة ما جرى لفالنبرغ بعد اعتقاله. ويعتقد أعضاء الشبكة أن الكثير من الأسئلة المتعلقة بمصيره لا تزال من دون إجابات، وأن الأمر يتطلب تحقيقًا أكثر عمقًا قبل طي هذا الملف نهائيًا.